محمد جمال الدين القاسمي

366

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

صلى اللّه عليه وسلم : من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت اللّه ولم يحج ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن اللّه تعالى يقول : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قال الترمذيّ : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مقال . وقد روى الحافظ أبو بكر الإسماعيليّ عن عمر بن الخطاب قال : من أطاق الحج فلم يحج ، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا . قال ابن كثير : إسناده صحيح إلى عمر رضي اللّه عنه . وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصريّ قال : قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لقد هممت أن أبعث رجلا إلى هذه الأمصار ، فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج ، فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين ، ما هم بمسلمين . قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : وقد استدل بظاهر الآية ابن حبيب على أن من ترك الحج ، وإن لم ينكره ، كفر . ثم قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر : من كان يجد وهو موسر صحيح ولم يحج ، كان سيماه بين عينيه كافر ، ثم تلا هذه الآية . تنبيه : هذه الآية الكريمة حازت من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه ، فمنها الإتيان ب ( اللّام وعلى ) في قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . يعني أنه حق واجب للّه في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ؛ ومنها أنه ذكر ( الناس ) ثم أبدل عنه مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، وفيه ضربان من التأكيد : أحدهما - أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له . والثاني - أن الإيضاح بعد الإبهام ، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين . ومنها قوله وَمَنْ كَفَرَ مكان ( من لم يحج ) تغليظا على تارك الحج . ومنها ذكر الاستغناء عنه . وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان . ومنها قوله : عَنِ الْعالَمِينَ ، ولم يقل : عنه . وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان ، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل ، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه - أشار لذلك الزمخشريّ - ثم عنف تعالى كفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق بقوله :